وراء اللاعقل وبعيداً عن كل منطق

وراء اللاعقل بعيداً عن كل منطق

هنا في أعلى مرتفعات قبرص, أقف متأملاً مستشبراً متلهفاً والتفاؤل يملؤني, بل يغرقني فأكاد لا ارى شيئاً سوا المستقبل المشرق المتلئلئ.

فقبل أمس, في سوريا - وبالأمس في السعودية - واليوم في قبرص وغداً الآن الآن في اسطنبول - فأين ستنتهي بي هذه الرحلة الطويلة التي لا أريدها أن تنتهي؟ رحلة الحياة المشوقة بكل مغامراتها. ان انتقالي لمدينة جديدة لا يعني ان تلك الرحلة قد انتهيت بي نحو الاستقرار, فربما غداً في امريكا وبعد غد في استراليا وبعده في جزر ماليزيا ومن يدري فربما التف حول افريقيا عندما اتغلب على نفسي وقد أجد هناك المكان الأنسب لاستمرارية الحياة لبرهة من الزمن سرعان ما أجد البديل المناسب في بلد ما. وبالنهاية تبقى الفكرة واضحة ثابتة لا يغطيها أي غموض - لا للاستقرار, سأجول الدنيا شرقاً وغرباً.
لقد كبرت في مجتمع شرقي لا استطيع تخيل حجم انغلاقه, أكاد اخفي في صدري الكثير على ساكنيه فرداً فرداً, لقد كان المجتمع يحدثنا دوماً عن فسوق المجتمعات عندما كانوا يتحدثون عنه ويلومون فلان لأنه ذهب للسياحة هناك في بلاد الفسق (كما كانوا يقولون!).
والله ان بلاد الفسق (كما كانوا يصفونها) فيها من الخير مالم نكن نراه في بلادنا متأسفين, فهنا في تركيا مثلاً ترى المساجد تمتلئ بالكامل لأداة فروض الصلاة, ومن الملفت للانتباه أيضاً هنا يرفض البائعون أن الغش بتاتاً على عكس ما كان يحدث في بلادنا عندما كنا فيها, هنا تكاد تخلو البلاد من السرقات بشكل كامل. هذا هو المجتمع التركي الرائع ببعض عاداته, فمن يدري فربما اذهب غداً للمكسيك واكتشف مجتمعاً مميزاً أيضاً على عكس الصورة السائدة له في مجتمعنا !
من يريد كمال الاستقرار (
 فالاستقرار يجده في داخله, في نفسه, وليس في المكان التي يكون به).
أما من يخاف من الأيام فلابد من ان يتذكر أن (الشجاعة ليست عدم الخوف بل هي الاستمرار والصمود رغم الخوف - الشجاعة هي الجرأة والاقدام لنسف تلك الحواجز التي وضعها المجتمع أمامنا).
وهنا لابد من الإجابة على ذلك السؤال الهام وهو :
  • هل ينبغي لنا الوقوف عند حدود المجتمع التي قد اعتدناها لكي نحافظ على مسيرتنا على الصراط المستقيم (بنظرة ذلك المجتمع)؟
إن الوقوف على عادات (جمع عادة, وهو كل ما اعتيد حتى صار يفعل من غير جهد) المجتمع وتقاليده (جمع تقليد, وهي العادات المتوارثة التي يقلد فيها الخلف السلف) ليست سوا إعادة وتكرار لما قام به السابقون, وهل خلقنا لنعيد ماقاموا به !! تباً لهذه الحياة إن كنا قد خلقنا فيها لكي نقلد الآخرين. فالعادات البالية هي التي اوصلتنا لأسؤا ما نحن فيه الآن.
ارمي عنك كل ماتحمله تلك المجتمعات, فهي تحارب الناجح حتى يفشل. فلتنهض ايها الانسان ولتزل عنك كل قيد ولتخرج من تلك القوقعة لفتح طريق الحياة والسير واكتشاف كل ماهو جديد, فلست أقل قدرة من اولئك الذين يسجل التاريخ اسمائهم ولتجب على ذلك التساؤل البسيط (هل سيمر عليك التاريخ أم ستمر أنت على التاريخ؟)


أناور في تلك المرتفعات بين شجارها, فتجتاحني فلسفة عقلية مرعبة اتعجب فيها (هل التف العاقل على عقله وانتهى به بمواجهة مع القلب لتنتهي بوضع الاثنان جانباً للبدء بمنطق جديد للغاية وهو التفكير باللاعقل المعدوم من العاطفة فيما يدعى بالـ (اللا منطق المتناهي بمواجهة اللاشيء). لنصل للعدم "مبالغة اللاشيء" في استغلال داخلي ونزاع مدوي قد ينتهي في مالا يتوقعه أحد أبداً).
بالفعل هي أروع لحظات العقل في الخروج عن كل منطق والانحلال في كل ماهو غريب, هنا لابد من التفكير بعمق, لابد من الغوض في دقائق الأشياء, لابد من التحقق من كل ماهو عجيب وغريب فنحن لم نخلق لنسير كما سار آبائنا في حياة تقليدية تكون تكراراً لما قاموا به, خلقنا لنقوم بكل ماهو جديد لنكتشف أعماقنا ونسافر في بحور الخيال تلك التي إن ابت ان تغرقنا فإننا سنغرق انفسنا بها رغماً عنها.

  • هل بالفعل هناك أمور منهية ولا يجب علينا التفكير بها؟ ولا يجب علينا التجرأ والقيام بها؟

لو كان الأمر كذلك, فلماذا وهبنا الله عقلاً نفكر به؟ قد يكون الحرام بين والحلال بين ولكن ما ادراك فربما يكون الإنسان بعقل مختلف بل حتى بديانة أخرى, فربما أراد الخروج قليلاً ليتصرف بعقلية اليساريين ويأخذ بأحكامهم وتارة اخرى لتكون لديه تجربة في دين آخر وبالنهاية لديه عقله يستطيع ان يرشده للصواب. 

بالفعل صدق من قال ان (طريقة تفكير البعض تدل على أنه مرتاح من "التفكير").



أما هنا الآن في اسطنبول, وعلى مشارف فصل جديد, ومع تقلبات الجو من حرارة الصيف إلى جمال برودة الخريف, تجتاحني أفكار كثيرة مختلفة بين حب خريفي وعشق شتوي, بين شوق حار تحمله رياح اسطنبول الصيفية وتأمل بمستقبل غامض مليئ بكافة المغامرات الممكنة لأقف متأملاً في عظمة هذا الكون.أين ستذهب بنا الدنيا؟ أمام تلك الشواطئ التي تبدأ أمامي وتنتهي في أقاصي الدنيا بعيداً هناك حيث تختلف العادات والتقاليد والشعوب وكل شيء. أقف هنا متأملاً ونظراتي تخترق المسافات الطويلة, فتتوسع حدقة العين فيتوسع القلب ليتسع لهذه الدنيا ومافيها فنرى الحقيقة أمامنا ونستشعر بالآخرين.. حيث يمكننا هنا التفكير والتفكير والتفكير من أجل اتخاذ القرارات.
في مدينة كهذه, تجد للحب معنى آخر, وللعشق أسلوب مختلف فلا تستطيع التخلص من المشاعر التي تنتابك صبح مساء وليل نهار, هنا للطيف معنى آخر, طيف الأحبة فيما يحمل من معاني كثيرة يختلف طعمها بأختلاف اللحظات التي نعيشها.
هنا استطيع الإجابة على سؤال آخر :
  • هل للعقل حدود يجب التوقف عنها؟
لو فرضنا أن للعقل حدود يجب التوقف عنها فهذا يؤدي لوجود اكتشافات واختراعات لابد ان نكون قد وصلنا إليها وتوقفنا عندها (نظراً لحدود العقل) وهذا يتناقض مع الواقع الذي نعيشه يوماً بعد يوم في تطور مستمر. وبالتالي فإن الفرضية غير صحيحة ولا يجب الوقوف عند أية حدود للعقل.
فتكون الإجابة لا, بكل تأكيد, فالعقل لا يتوقف على منطق واحد ولا ينتهي عند مفهوم ثابت ولا ينغلق عن مشاعر جياشة, بل بالعقل نستطيع الخروج عن كل منطق وصياغة منطقنا الخاص وبه نغير المفاهيم جميعها وبترابطه مع القلب نصنع أروع العواطف وأجمل الذكريات وأطيب الأمنيات.
أما اولئك المنغلقين على أنفسهم, المحافظين على عاداتهم, المثابرين على روتين حياتهم اليومية, فقلوبهم لا تنبض بطعم حقيقي للحياة, إنها تنبض للاستمرار فقط, إنها حياة الروتين والتقليد الاعمى التي انتهى زمنها منذ بعيد. لابد من فتح أبواب الحياة والنظر بعيداً وصياغة حكايتنا الطويلة التي سنحدث أطفالنا وأحفادنا بها يوماً ما لنزرع الأمل في قلوبهم ونبني الأحلام في مخيلتهم. لينعموا بحياة سعيدة مليئة بمستقبل مشرق جميل. وهكذا فلن يكون للعقل حدود يتوقف عنها أبداً.